محمد بن جعفر الكتاني

62

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

السماء واتسعت عيناه اتساعا عظيما ، ثم قال : الجنة ، الميزاب ، الحوض ، الصراط . ويشير بأصبعه إلى السماء ؛ فأعلمت بعض الفقهاء بذلك ؛ فبكى وقال لي : ليس الخبر كالعيان ! . وكانت له أحوال عجيبة ، قال لي بعض الصالحين : ما أظن أن يكون أحد بعده كحاله في طريقته وعجائبه » . انتهى كلامه فيه في " أنس الفقير " بإسقاط ما لم تدع الحاجة إلى نقله . وفي " المعزى " ما نصه : « ويحكى عن سيدي أبي زيد عبد الرحمن بن عبد الكريم الهزميري - دفين داخل باب الفتوح بروضة الأنوار بإزاء جامع الصابرين عام ستة أو سبعة وسبعمائة - في حركة حركها غريبة ، أضربنا عن ذكرها اختصارا ، أن الفقهاء لما تنازعوا بحضرة مراكش في الحوض والصراط أيهما سبق ؟ . وطال الخصام على ذلك ثلاثة أيام بين يدي الشيخ الإمام ، مكمل " إكمال المعلم " أبي عبد اللّه البقوري . فلما طال الحال ؛ ذهب طالب ممن كان يعتقد الشيخ الهزميري لزيارته ، ويسأله عن المسألة حتى يشفيه . قال : لما سألته ؛ فتح عينيه ونظر إلى السماء ، ورأيت لعينيه اتساعا عظيما ، وهو ينظر ولا يطرف ، وهو يقول : الجنة ، الميزاب ، الحوض ، الصراط ! . كأنه ينظر في ذلك ، ويكرر قوله ، ويشير بإصبعه . قال : فخرجت من عنده ، وأتيت المجلس ؛ فإذا هو على حاله . فأخبرتهم ؛ فبكى أبو عبد اللّه البقوري ، وقال : ليس الخبر كالعيان ! » . « قال الإمام ابن الخطيب : كانت للهزميري ولأخيه - يعني : أبا عبد اللّه دفين أغمات - أحوال عجيبة ، قال بعض العلماء لما وقف على حقائق رياضتهما : قل أن يكون مثل حالهما ! . لما شاهده من تحقيقهما في المكاشفة والمقام ، وهما من عجائب الزمان ، ولولا الاختصار ؛ لأوردنا من أخبارهما ما يزيد المريد في سلوكه صدقا وتحقيقا ، لكن كفى بالتعريف بهما صاحب " إثمد العينين في مناقب الأخوين . . . » . وفيها أيضا - أعني : " المعزى " : « أنه يقال : سبعة قليل من بلغ مجاهدتهم في بدايتهم : سيدي أبو يعزى في المغرب ، وسيدي عبد القادر الجيلاني في المشرق ، وفي القرن السادس ، وسيدي سهل بن عبد اللّه في القرن الثالث ، وسيدي أبو يزيد البسطامي وسيدي أبو الخير المصباحي ، وسيدي أبو عبد اللّه الهزميري ، وصنوه أبو زيد - رضي اللّه عنهم » . وفي كتاب " إثمد العينين ، ونزهة الناظرين ، في مناقب الأخوين أبي زيد وأبي عبد اللّه الهزميريين " للشيخ أبي عبد اللّه محمد بن تيجلات الهزميري المراكشي : « كان الشيخ أبو زيد - رحمه اللّه - أحد أركان هذه الطريق ، وقد نال من المجاهدة في حال البداية طورا صعب المرتقى ، بعيد [ 54 ] المرمى ، تعذر على كثير من السالكين سلوكه » .